
في هذه الصفحة
في ظل التطور الكبير في التكنولوجيا، وذلك ابتداءً من أواخر القرن الـ 18، حيث تم الانتقال من القوة العضلية إلى القوة الميكانيكية بتطوير المحرك البخاري على يد جيمس واط في سبعينيات القرن الثامن عشر، ثم بدخول الكهرباء إلى المجمعات السكنية والمصانع في أواخر القرن الـ 19، ثم ظهور الأتمتة في منتصف القرن الـ 20، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي القابل للاستخدام في القرن الـ 21. خلال هذه الفترات، كان لا بد للفكر المعماري والتخطيطي من أن يتأثر بهذه الانتقالات والتطورات، حتى أصبحت التصاميم والتخطيطات مرآةً تعكسها في المجتمعات.
ولفهم ما مررنا به من مراحل في طريق وصولنا إلى هذا اليوم، يمكننا تقسيم الفترات التصميمية والتخطيطية إلى ثلاثة أقسام:
- الفترة الأولى، وهي فترة ما قبل وجود الآلات.
- الفترة الثانية، وهي فترة التطور التكنولوجي (بدءًا من الآلات وصولًا إلى منتصف القرن الـ 20).
- الفترة الثالثة، وهي الفترة التي تلت منتصف القرن الـ 20 وصولًا إلى يومنا هذا.
الفترة الأولى (ما قبل الآلة):
وذلك من فجر التاريخ حتى عام 1760 (بداية الثورة الصناعية الأولى)، حيث يمكن عنونتها بالعمارة التلقائية واحترام الطبيعة. فكان هنالك تناغم تام بين المباني والبيئة المحيطة، وكان لا بد للمهندس المعماري من أن يفهم خصائص التربة وخصائص الطين أو الحجر المحلي، وأن يفهم حركة الشمس واتجاه الرياح لبناء مسكن مناسب وظيفيًا في المنطقة المحددة للبناء. فتوجيه خاطئ للمبنى قد ينتج عنه انتقال الروائح من منطقة إلى أخرى داخل المنزل، ولا يمكن الاستعاضة عنه بحل ميكانيكي كما هو الحال اليوم، عن طريق استخدام شفاط في المطبخ أو الحمام. كما أن عدم الدراية الكاملة بحركة الشمس قد ينتج عنه منزل حار صيفًا بحيث لا يمكن الجلوس فيه، ولا يمكن الاستعاضة عن ذلك بتكييف أو مروحة. ولم يكتفوا بذلك فقط، بل ابتكروا نظام تهوية وتبريد مستدامًا كالملاقف الهوائية، وعملوا على تصميم المنزل بما يحقق الخصوصية باستخدام المشربية. ولم يقتصر الإبداع على التصميم المعماري فقط، بل اهتموا أيضًا بالتخطيط العمراني، فكان لا بد من الاهتمام بالساحات والأزقة التي تحترم الخصوصية وحركة المشاة، إلى جانب التخطيط المسبق للحماية من الأعداء، فنتج عن ذلك ظهور أنسجة معمارية مثل النسيج المتضام. ونتيجة هذه الدراسات والاهتمامات في هذه الفترة، نتجت بيوت تؤدي وظيفتها على أكمل وجه، وتخطيط لمدن إنسانية بجميع المقاييس. والأمثلة على ذلك كثيرة، مثل:
البيوت الدمشقية القديمة وبيوت القاهرة القديمة (العمارة الإسلامية): مبانٍ تحترم راحة الساكن والخصوصية؛ فكانت المباني مغلقة من الخارج ومفتوحة من الداخل على الفناء الذي يؤدي وظيفة تكييف طبيعي، إلى جانب استخدام المشربيات الخشبية التي تسمح بمرور الهواء وتحمي خصوصية الساكن.
مدينة شبام حضرموت في اليمن: والمعروفة بناطحات سحاب الصحراء، اعتمدت نسيجًا معماريًا متراصًا لحماية المدينة من الغزاة وحرارة الشمس. وهي مبنية بالكامل من الطوب اللبن، وهو مادة متوفرة محليًا، إذ يوفر تهوية طبيعية مثالية للساكن في البيئة الصحراوية.
قرية شيروانا وبلدات الغرب القديمة: حيث اعتمدت على مواد البناء المحلية (الحجر الموضعي والأخشاب المتوفرة في الغابات القريبة)، وكان المنزل يُعتبر جزءًا من الطبيعة.
الفترة الثانية (الثورة الصناعية):
ابتداءً من عام 1760 حتى عام 1965 (بداية حركات النقد لعمارة الحداثة)، حيث يمكن عنونتها بالتهور المعماري والتخطيطي. فمع ظهور الآلات والحاجة الكبيرة إلى المعامل والمصانع لتلبية طلب الأسواق المحلية والتصدير، ودخول عالم الابتكارات، بدأت الحاجة إلى مزيد من العمال. ولتلبية حاجة المصانع إلى العدد اللازم من العمال، بدأت هجرة الناس من الريف إلى المدينة، مما استدعى بناء مساكن خاصة بهم. لكن المشكلة تكمن في أن هذه المساكن صُممت كصناديق تفتقر إلى المعايير الأساسية لراحة الساكن، ولم يقتصر الأمر على سكن العمال فقط، بل امتد إلى الطبقة الوسطى والبرجوازية أيضًا؛ إذ لم يعد السكن يمثل مأوى روحيًا وإنسانيًا، بل بدأ التعامل معه وفق مفهوم الآلة. ونجد ذلك أيضًا متجسدًا لدى معماريي ذلك العصر أمثال لو كوربوزيه، حيث قال إن البيت آلة للعيش فيه. وقد أدى وجود هذا المفهوم إلى إهمال البيئة والمكان؛ فمع ظهور العمارة الدولية (أبراج شاهقة من الإسمنت والزجاج)، أصبحت تُبنى في حرارة صحراء الشرق الأوسط وبرودة أوروبا على حد سواء، دون احترام المناخ المحلي. وأصبح الاعتماد الكامل على الحلول الميكانيكية لحل ومعالجة العيوب التصميمية (مثل التكييف والإضاءة الصناعية). ولم يقتصر الأمر على المنازل فقط، بل أيضًا على الساحات والطرقات، فتم تحويل المدن إلى مدن للسيارات بدلًا من مدن للمشاة. والأمثلة على ذلك كثيرة، مثل:
مدينة برازيليا (تخطيط أوسكار نيماير ولوسيو كوستا - 1956): صُممت العاصمة البرازيلية بالكامل من الصفر، وعلى الرغم من التصميم الحديث فإنها واجهت الكثير من التحديات والانتقادات، منها إقصاء المشاة؛ إذ صُممت المدينة بالكامل للسيارات، مما جعل التنقل على الأقدام أمرًا صعبًا. كما أن غياب الشوارع التقليدية والمقاهي الشعبية المعتادة في المدن البرازيلية جعل المدينة باردة اجتماعيًا، إضافةً إلى ظهور العشوائيات على أطراف المدينة بسبب الطبقية الموجودة في المدينة الجديدة.
مجمع إسكان "برويت-إيغو" (Pruitt-Igoe) في أمريكا (1954): مجمع سكني ضخم مكوّن من 33 برجًا خرسانيًا مصمتًا لذوي الدخل المحدود (صناديق للعيش حسب فلسفة الحداثة). وكانت النتيجة كارثية؛ إذ تحول المجمع إلى وكر للجريمة والعزلة الاجتماعية بسبب غياب المساحات الإنسانية، وتم تفجيره وهدمه عام 1972، وهو الحدث الذي اعتبره المؤرخون "يوم موت عمارة الحداثة".
وعلى الرغم من كل هذه السلبيات المذكورة، فإن الأمر لا يخلو من الإيجابيات أيضًا. فخلال هذه الفترة انطلقت ثورة في المواد الإنشائية؛ إذ ساهم عدم التقيد بالمواد المحلية واستخدام مواد حديثة وربطها بالصلب في بناء محطات القطارات العملاقة والمصانع الضخمة. كما ساهمت نمذجة مواد البناء في الإنتاج الكمي والسريع للمواد، مما ساعد على البناء بشكل متسارع لتلبية الطلب المتزايد على الشقق والمنازل. وساهم توافر الراحة الميكانيكية في زيادة الإنتاج والتحكم في درجات الحرارة. ولا ننسى أيضًا أنه في هذه الفترة وُلد التخطيط الحضري، فظهرت المخططات الهيكلية لأول مرة للمدن، وذلك للابتعاد عن العشوائيات والتشوه البصري، واحترام خط السماء، وفصل المناطق الصناعية عن المناطق السكنية، والتوجيه الصحيح لكليهما. كما تأسست شبكات نقل تربط المدن بعضها ببعض خارجيًا، وتربط أجزاء المدينة داخليًا. وشهدت الفترة أيضًا ظهور مدارس معمارية مثل الباوهاوس، التي تُعد الحجر الأساس لتصميمات المودرن والمينيماليست في الوقت الحالي.
هذه الفترة أيضًا لم تخلُ من وجود معماريين اعترضوا على هذا النهج ولم يقفوا مكتوفي الأيدي، أمثال فرانك لويد رايت، الأب الروحي للعمارة العضوية، حيث كانت فلسفته أن المبنى، مثل الشجرة، يجب أن ينمو من الأرض، وألا يكون مثل الآلة التي تُفرض بالقوة. فبدلًا من قطع الأشجار وتجريف التربة، قام في بيت ريفي ببناء المنزل فوق الشلال مباشرة. وكذلك حسن فتحي، الذي عُرف بعمارة الفقراء، حيث أثبت أن التطور لا يعني التخلي عن الهوية والإنسانية.
الفترة الثالثة (الصحوة):
ابتداءً من عام 1965 حتى يومنا هذا (2026)، وهي فترة الوعي المعماري والتخطيطي، ويمكن عنونتها بتصحيح أخطاء الماضي. فبعدما أصبحت المدن في الفترة السابقة عبارة عن مدن للفحم وبيوت لا تخدم الساكن ولا تلبي المتطلبات، دفع الساكن ثمن هذا التحول من خلال انتشار التلوث البيئي، وكثرة الأمراض النفسية، وضياع الهوية المعمارية والتاريخية، والتشوه البصري. ونتيجة لذلك، أدرك المهندس في ستينيات وسبعينيات القرن الـ 20، مع حركات ما بعد الحداثة (Postmodernism)، أنه لا بد من التغيير والتصحيح الفوري للمفاهيم من جهة، وتصحيح الأخطاء التي نتجت عن الفترات السابقة من جهة أخرى. وهنالك أمثلة كثيرة على ذلك، منها:
تخطيط مدينة باريس بمفهوم (مدن الـ 15 دقيقة): وذلك بجعل كل الخدمات الأساسية، من تعليم وصحة وعمل وتسوق وحتى الترفيه، على بُعد 15 دقيقة مشيًا أو بالدراجة الهوائية من أي نقطة سكنية، وذلك لإقصاء السيارة وإعادة الشارع إلى الإنسان والبيئة.
مدينة مصدر بالإمارات: بوصفها مشروعًا صفري الطاقة ومدينةً مستدامة، حيث تم تخطيط المدينة بأزقة ضيقة مستوحاة من الفترة الأولى لتوليد تبريد طبيعي عن طريق دراسة حركة الرياح، واستخدام مواد بناء متطورة (صفرية الكربون) لتحقيق الاستدامة الكاملة.
تصحيح أخطاء الماضي:
مشروع نفق راينوفر في دوسلدورف (ألمانيا):
تم إنشاء الطريق السريع عام 1957، عقب الحرب العالمية الثانية، على ضفة نهر الراين، وضُم إلى شبكة الطرق الفيدرالية السريعة. وتم توسيعه في الستينيات ليصبح طريقًا ضخمًا يتراوح بين 4 و6 حارات، واستمر مصدرًا للضوضاء والتلوث حتى تمت إزالته وتفجير الجسور العلوية عام 1990 لبدء مشروع النفق. واستغرق البناء حوالي 3 سنوات ونصف من العمل المتواصل، حيث تم افتتاح النفق رسميًا لحركة المرور في 15 ديسمبر 1993. ونتيجة لذلك التحول، تحولت ضفة النهر من ضوضاء السيارات إلى متنفس بيئي للمدينة، مليء بأماكن التنزه والأشجار، ويربط قلب المدينة التاريخي بضفة النهر مباشرة.

ممشى تشونج جاي تشون:
بعد الحرب الكورية، امتلأت المنطقة بالعشوائيات، فاتخذت الحكومة قرارًا خرسانيًا عنيفًا بطمر مجرى النهر بالكامل وتحويله إلى طريق مسطح عام 1958، واكتمل البناء عام 1976، لنجد طريقًا علويًا خرسانيًا فوق مجرى النهر تمامًا. فتحولت المدينة إلى كتلة خرسانية صماء مليئة بالتلوث والضوضاء والتشوه البصري في قلب سيول. وتم تصحيح هذا عام 2003 باتخاذ قرار هدم الطريق السريع وإعادة اكتشاف النهر المدفون وتحويله إلى ممشى مائي طبيعي في سبتمبر 2005.

نستنتج مما سبق وجوب امتلاك الوعي الكافي لدى المهندسين المعماريين والتخطيطيين؛ فليست كل تقنية تعني تطورًا، ونجاح أسلوب بناء أو طراز معماري معين في مكان ما لا يضمن نجاحه في مكان آخر. فأولوية أي تصميم تكمن في فهم احتياجات المستخدم وعاداته وتقاليده واهتماماته أيضًا، ثم فهم طبيعة المكان المختار للبناء. وكل ذلك يجب ألا يؤثر سلبًا على البيئة. ويجب علينا، كمعماريي هذا العصر، أن نساهم في تصحيح أخطاء الماضي بعدم تكرارها أولًا، واحترام البيئة والساكن في آن واحد، وذلك عن طريق:
- العمارة المستدامة والخضراء: العودة إلى مبادئ الفترة الأولى، لكن بطريقة غير مباشرة، وذلك عن طريق استخدام التكنولوجيا (المدن الذكية، تقليل الانبعاثات الكربونية).
- العمارة البيئية: تحقيق التوازن بين المبنى والبيئة المحيطة، عن طريق تقليل التأثير السلبي للمباني على البيئة المحيطة.
- أنسنة المدن: إعادة إحياء الفراغات العامة والاهتمام بالراحة النفسية والبصرية للساكن.
- التخطيط الإنساني: تصميم المدن للمشاة (مدن الـ 15 دقيقة).

مهندس معماري وباحث مهتم بالعمارة البيئية والمستدامة، ويركز في أعماله وأبحاثه على تطوير حلول تصميمية صديقة للبيئة ودمج معايير العمارة الخضراء ورفع كفاءة الطاقة، إضافة إلى نشر الوعي بالتخطيط العمراني المستدام



